بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 23 سبتمبر 2015

أخذ الظلام كل شيء ...

       " جاءت الخاتمة بشرار خاطف حاد الألوان ...ابتلعه "اللاشيء".

كان له وهو على الأرض، وجه بشرى مألوف، بتصفيفة شعره وبشرته البيضاء وشاربيه الكثين المتناثرين كلهب فضي، وعينيه المفتوحتين بوميض رطب تجاه النهاية المشرعة… الموت!.

سيطر حزن ساحق على"لماذا الوردة" وهو يحاول تذكر صاحب الوجه، الذي كان يعرفه جيدا.

اختفى النور…
غاب!

(سيصل عطشك الى حواف مداه لتدرك حرارة نصله)

سمع صوتا من قبرالظلام يهمس خلف اذنه فدار على نفسه وهو يرتعش، وقد امتلات عيناه بالدموع. شعر بطعم رماد بارد في فمه، و هو يسمع عويلا ثاقبا انتهى كصوت مجنون هادر (الزمن عقاب لا رجاء فيه). ثم امتلأ الفراغ برائحة مقلقة... الدم! ، عندما انهار الصوت فجاءة كنحيب خافت ملأ المكان. كان يسحقه تعب من يحمل اثقال العالم، عندما ساد المظلم .
صمت!

كل شيء حلم أحمق ...
أنت الموجود !!! ...
لا شيء موجود،…
لا صوت … لا ضوء!"


عن مخطوط رواية "الوردة بدون لماذا" . تأليف أحمد عبد السلام بن طاهر
نشرت على صفحتي على الفيس بوك بتاريخ  23 سبتمبر 2015
____________________________________________

Copyright© 2015 by Ahmed Abdulsalam Ben Taher
حقوق النشر محفوظة © 2015 للمؤلف أحمد عبد السلام بن طاهر 

الأربعاء، 16 سبتمبر 2015

الهرب ...

        " ... لكن ما أن وقف "لماذا الوردة" على رجليه وتفرس مليا في حشد الرجال الملتفين حوله يواسونه لأمر لم يتبينوه، شعر بذعر شديد، وهو يرمق بعضهم بقلق، وانهمرت قطرات من العرق البارد على وجهه حتى بدا كالواقف تحت المطر، ثم أحمر وجهه وأخذت شفتاه ترتعشان ووهو يحاول أن يقول شيئا يخنقه، كان يبدو كما لو كان سيولد من أحشاءه، لكنه لم يستطع. كان الموقف ينير دلهيزا مظلما في ذاكرته. وكفلم قصير راح يستعيد ببطء تلك الواقعة القديمة،وقلبه يرتجف، محاولا قدر جهده - وقد بهت وجهه بغته - أن يضع حدا لتدفق تلك الصور المحزنة، التي كان يعرف أنها ستسري كدفق حار في داخله فتنهكه. ورفع يده -وجفناه يرتعشان بتوتر- و وضعها على فمه، الذي أخذ خيط من اللعاب الرفيع يسيل من طرفه، ليمنع نفسه من البكاء، قبل ان يسمع أحدهم يصيح (لا اله الا الله)، من بين الجمع الذي خيم عليه الصمت. ثم اصطدمت رشة ماء قوية وكثيفةبوجهه فالتفت مصدوما تجاه الرجل الذي كان يحمل الدلو المتقاطر، وعينيه الذاهلتين ترسلان شعاعا ينم عن حاله، و استدار المسكين نحو الشمال باحثا عن مهرب، قبل أن يستجمع بقايا قوته ليدفع أحدهم بشدة وهو يضغط شفتيه بأقصى ما يستطيع الى الأمام كرأس سهم، كاسرا حلقة العظم اللحم التي تحيط به كقفص دجاج. ثم اندفع بحركات عدوه الغير متناسق باتجاه نهاية الشارع، بينما وقف "المريد" ومجموعة الرجال مندهشين دون أن يحاول أيا منهم ان يلحق به. و لم يلبث "لماذا الوردة" أن اختفى عند عند نهاية الشارع وهو يلهث.

عن مخطوط رواية "الوردة بدون لماذا" . تأليف أحمد عبد السلام بن طاهر
نشرت على صفحتي على الفيس بوك بتاريخ  16 سبتمبر 2015
____________________________________________

Copyright© 2015 by Ahmed Abdulsalam Ben Taher
حقوق النشر محفوظة © 2015 للمؤلف أحمد عبد السلام بن طاهر 


الاثنين، 14 سبتمبر 2015

ألبياصة الحمراء... تاريخ حزن غير مواسى!

      "عندما أدرت رأسي في أنحاء الساحة المسماة "البياصة الحمراء" وقعت عيني على الأستاذ "رامي" والدكتور "علي". كان الأثنان يقومان بقياس الساحة، وهو ما أثار فضول الكبار في السن، أما الشباب الذين كانوا يعبرون الساحة مسرعين من وقت لآخر فكانت ردة فعلهم محايدة وغير مبالية. وعلى عادته لم يعطي الاستاذ أي اهتمام لمن كانوا يتابعونه من العابرين وأصحاب المحلات. وكان يتبع الأثنين فتى، يبدوا أنه قد استطاع أن يحوز على أهتمام الدكتور . و دهشت جدا عندما أخرج الاستاذ من حقيبة معلقة على كتفه بوصلة ذات اطار معدني، و أخذ يحدد موقع الساحة وهو الأمر الذي لم اجد له تفسيرا. (لصديقيك اهتمامات غريبة) قال شيخ الطريقة، بعد أن هز رأسه متعجبا مشيرا الى رفيقي الذين كان يقومان بوظيفة المساحين. أنا لم أعرف بماذا أجيب، و اكتفيت بهزذراعي وابتسامة متعجبة، ثم انتظرت قليلا حتى وقعت أنظار الدكتور علي علينا فاشرت اليه بكفي. وعندما حاول أن ياتي باتجاهنا ، أمسك به الأستاذ رامي من كتفه، وأشار الى الورقة التي كان يرسم فيها شيئا، بينما مال اليافع معهما بانتباه على الورقة، قبل أن ياخذه الدكتور ليتحدث معه على حدة. بعدها انطلق الفتى عدوا بسرواله الكاكي القصير باتجاه القوس الشمالي الذي يصل الساحة بسوق الظلام فكاد أن يصطدم بالدلال الضخم، الذي برز فجاءة معلنا بصوته الجهوري عن بيع عقد كان يتلالا بلونه الذهبي في يده، ثم أختفي الصغير في عتمة اللون الباهت. في تلك الأثناء كان"شيخ الطريقة"قد انتهى من شرب قدح المشروب الحار الذي في يده، و ودعني بعد أن ترك يدي التي احتفظ بها لفترة في يده باصرار دبق، وسار باتجاه "سوق الخرازة" الذي يتصل بنهاية سوق الخضار. ولهذا وجدت نفسي حرا لكي القي نظرة متفحصة على الساحة.

        كان الضوء عذبا عندما توجهت في خط مستقيم باتجاه النافورة في وسط الساحة لألقي نظرة عليها من المنتصف، ومن حسن حظي أن الساحة لم تكن تعاني وقتها من ذلك الصخب المميز للساحات الرئيسية. ولاحظت للتو ان معمار الساحة يفصح عن خليط من أثر فاتحين مختلفين، أو لنقل جيرانا مباشرين. ومرت أمامي بدوية عجوز ممسكة بقربتين، من تلك التي يباع فيهما الحليب الحامض، وكانت بشكل حذائها الجلدي الملون الذي يصل الى أعلى من كاحليها، و ربطة راسها السوداء وباقي ثيابها الملونة تعلن بوضوح بأنها قد نبتت في أرض أخرى. العجوز لاحظت أني اتفحصها، فتوقف وأشارت الى ان كنت راغبا في شراء ما تبيع فهززت يدي معتذرا. وبينما كنت اراقب قامتها المنحنية من الخلف لا حظت ذلك الغريب الممسك بكراسة في يده وهو يدور ببطء حول النافورة التي لم تكن تعمل. وعندما أقترب مني في المرة الثانية وقف أمامي وقال (صك بلا رصيد) وهو يهز اصبعه تجاهي ، وعندما مددت وجهي قليلا باتجاهه معربا عن عدم فهمي، أعاد (حسنا، عندما تغرس اصبعك في الوجود فلايمكن أن تشم غير رائحة الأسئلة… ماذا يعني هذا؟ ) . قال هذا وهو يتشمم اصبعه بحركة متوترة، ثم أردف و قد لمعت عيناه بفرح قصير كما لو أنه اعتقد بأني فهمت مغزى كلامه ( ومع كل سؤال يأتي سؤال آخر، لقد قلت لك أنه صك بلا رصيد) فوافقته بهزة من راسي وابتسامة مجاملة، و شكرته في قرارة نفسى لانه ذكرني بأني هنا من أجل حل مجموعة من الاسئلة في المقام الأول. كان الرجل غريبا في معطفه الأشهب الطويل المرفوع الياقتين، وفي نظراته الوقحة الحادة التي تتفرس في الأشياء بلااستئذان. وأتذكر انه سألني أن أعطيه سيجارة، فاعتذرت منه بأني لا ادخن. حينها سحب قلم الرصاص الذي كان يغفو وراء اذنه وفتح كراسته ليسجل شيئا وهو يبتعد ماطا شفته السفلي الى الأمام ، باديا حركته الدورانية المعتادة براس مهتز.

         في تلك الأثناء انتبه الاستاذ رامي الى وجودي فترك رفيقه وحث الخطى بجسمه البدين باتجاهي وهو يقول (ساحة الملكة ايلينا) فاتحا ذراعيه حتى أني ظننت أنه سيحضنني كمبعوث فوق العادة للملكة الفاتنة . حينها كان بودي أن أنتهز أية فرصة لكي أطرح عليه اسئلتي المهمة، ولكنه كعادته لم يترك لي مجالا، حيث أشار للتو بيده الفارغة الى الجزء العلوي من المبني المقابل الذي كانت تطل من فوقه سحابات ناعسة قائلا (الأثر ايطالي على الأرجح ولكن التأثير العام اسباني أندلسي)، ثم نظر حوله باتجاه الغريب وسألني بصوت منخفض (الم يخبرك شيئاعن الوردة؟) فأجبت بالنفي، وأضفت ( بل عن صك بلا رصيد ) فابتسم الاستاذ بخبث وهو يقول (ممتاز! ... هذا يحسب له. لقد عرف المسكين أينا أكثر رومانسية).

       وقبل أن أفتح فمي، أشار الأستاذ الى البلاط الأحمر وهو يطرق عليه بقدمه سائلا( ألا يذكرك هذا بشيء؟ … هيا قل ..، أنا أفكر في تاريخ حزن غير مواسى، لم يتم تجاوزه). ولوهلة خطر ببالي الحزن عندما تحن لشيء فقدته، وأردت أن أجيب (غرناطة الوطن البعيد) ولكن قبل أن أفتح فمي جاءت الاجابة من خلفي (بلاط الشهداء) بصوت الدكتور الممسك بحقيبة الاستاذ. ( أنت تفكر في لون الدم. لم يكن هذا الذي في بالي ، ولكن هذه فكرة رائعة هي الأخرى) قال الاستاذ "رامي" وهو يقهقه، ثم غمز باتجاهي وهو يهز سببابتة المعكوفة مشيرا الى الدور الثاني من المبنى. (يمكنني أن أتخيل هذا: هناك يقف الحاكم العسكري الأيطالي ،المنفي هنا في هذه الأرض الجنوبية، وهو الذي كان في قرارة نفسه يحلم بحكم مدينة مليئة بالكنائس الباذخة ونساء بيض يرفلن في الدانتيلا والحرير المنقوش ، مدينة كان سيفخر بان يحكي عنها لأحفاده. انه يجد نفسه في ذلك اليوم مطلا من فوق الاقواس التي كتب عليها "يحيا الملك الامبراطور" وهو يتأمل الساحة بأرضيتها الحمراء التي تعج بأحفاد الأندلسيين الذين هجروا الى هنا، رغم انوفهم، لكي ينشئوا في هذه الأرض ما أصبح بعد قرون مملكته وسجنه الصغير، النقطة الرمادية التي ستختتم بها سيرة حياته الحافلة. ويمكن ياعزيزي أن أتصور الحاكم وهو يلقي بأنظاره الى هذه الساحة متخيلا كنوع من التنفيس عن وجع يأكل روحه "شارل مارتل" المكني بالمطرقة وهو يحطم رأس قائد الأندلسيين بين الآف الجثث الغارقة في مخمل سائل أحمر اللون على مد البصر، وكلاهما يرمق الآخر بنظرة متجلدة حاقدة، تفجر الجليد قطعا) . ودون أن يعبأ الاستاذ بالجالسين على مقاعد المقهي القريب الذين كان بعضهم يراقبنا بفضول، قام بتمثيل الموقف، هازا يده الى المضمومة القبضة الى الأعلى والأسفل ومطلق صوتا متحمسا (تاك ، تاك، تاك) ، حتى أن الرجل كان يجلس قبالتنا مسترقا النظر الينا وهو يتظاهر بقراءة صحيفته، وقف فجاءة وأخذ ينظر بقلق في الاتجاه ألذي كان يشير اليه الاستاذ ثم عاد ليجلس على كرسيه متأففا، و ملتفتا حوله بحثا عمن يشاركه شعوره. بينما تابع "رامي" حكايته. ( لعل الحاكم كان يشعر في قرارة نفسه، بأن الآف الجثث هناك في "بلاط الشهداء" قرب "بواتييه" لو تكدست في هذه الساحة فوق بعضها ككومة لكان بامكانها أن تكون نصبا عملاقا على هزيمة الاندلسيين الآبدية، ولكنه ولحسرته كان يلقي هنا بانظاره الى الساحة من تحته فلا يجد الا أحفادهم وقد نبتوا هنا مثل العشبة العنيدة، فيشعر ووقتها والغيظ يتأكله، بأن التاريخ لم ينتهي بعد).

        في ذلك الوقت انتهى الغريب ذو العينين الحمراوين ، الموشى عليهما اعترافا بالعزلة، من طوافه، وجلس بقربنا على حافة النافورة مراقبا ما يجري عن كثب، وهو يهز جسمه الأعلى الى الأمام والخلف. (لقد كانت القبلة الأخيرة على باب أوربا، وقتها كان العالم على حافة مستقبل آخر) علق الدكتور"على" بصوت خفيض وهو يحك رأسه ، وقد صارت عينيه الجاحضتين صغيرتين للغاية، فاجاب رامي (نعم) ثم استطرد وفي عينيه نظرة غائمة يصعب تفسيرها، وهو الذي كان يعرف كيف يكون لاذعا عندما يريد: ( اذا ما كنت أستطيع أن أرى أبعد من أنفي، فيمكنني القول بأن تلك "القبلة" كادت أن تتسبب في اختفاء أوربا، كما نعرفها اليوم، الى الأبد) ثم أضاف مشيرا الى الرجال في المقهى ( أنظر! ،  هولاء أحفاد من ماتوا في ذلك اليوم، الذين ساروا مدججين بشبابهم باتجاه ضوء الفجر وعيونهم مسحورة بالكلمات. كان يعوزهم حدس النساء وما من أحد أخبرهم أن القبلة الأخيرة ستكون مؤلمة جدا -أبعد من حدود كل الوجع- قبل أن يلتهمهم الصمت!) ."

عن مخطوط رواية "الوردة بدون لماذا" . تأليف أحمد عبد السلام بن طاهر
نشرت على صفحتي على الفيس بوك بتاريخ  14 سبتمبر 2015
____________________________________________
Copyright© 2015 by Ahmed Abdulsalam Ben Taher
حقوق النشر محفوظة © 2015 للمؤلف أحمد عبد السلام بن طاهر 


الخميس، 3 سبتمبر 2015

نوابض الغضب...

  " (سيارة جميلة) قال الاستاذ "رامي" محاولا فتح حوار معي، وهو ينزل زجاج السيارة قليلا.

(أنها سيارة أبي) أجبته، وأناأبعد وجهي الى الجهة الأخرى، لاخفي الشعور الذي انتابني في تلك اللحظة.

(اذا فقد حرمناه منها اليوم) تابع الاستاذ حديثه.

(للاسف لم يعد يحتاج اليها) أجبته ثم أضفت (لقد توفى منذ سنة).

مد الدكتور يده، و أدار مفتاح الراديو خانقا صوت المغني بلارحمة.

(لتتنزل عليه الرحمة) قال محاولا مواساتي، ثم مد يده وربت على يدي الموضوعة فوق ذراع تغيير السرعة في السيارة بلطف، ثم استطرد (هل كان مريضا؟).

(هل كان مريضا؟) سأل بنغمة هادئة، فالتفت ببصري الى الجهة البعيدة بحركة تمثيلية بائسة معطيا الانطباع بأني لم أسمع، غير أن الاستاذ عاد ليطرح السؤال بحماس نضالي، وهو يحدق في بعينية الذكيتين بفضول متحرق، كما لو كان يحاول جس بشرتي.

(لقد مات في السجن) أجبته بصوت اهترى ثم انطفى في نهايته فتنحنحت، ثم لذت بالصمت للحظة قبل أن أكمل : (لقد كانوا يعاملونه كسجين رأي). قلت هذا ،ثم شعرت بأني أتوق لآن تقذف بي عاصفة الى حيث لا يعود التفكير مؤلما، فقد كانت نوابض غضبي قد تحررت.

(اللعنة)أجاب وهو يرفع يديه فجأة ليخفي وجهه. ثم كرر لعنته مرة أخرى وهو يضرب بيده الكتاب ألذي كان يتشمس علي فخذه بقوة.

(ماذا، ... ماذا. ... ما الذي حصل ياأستاذ رامي ؟) سمعنا السؤال ، ثم برز بيننا من الخلف وجه الطبيب"علي" مقطبا حاجبيه، بعد أن سبقه صوته. و عندما شاهدت في المرآة عينيه الجاحضتين تتدليان حول أنفه كحبتي عنب وحيدتين في عنقود، خمنت أنه قد أستفاق بتأثير أنين الكتاب."

عن مخطوط رواية "الوردة بدون لماذا" . تأليف أحمد عبد السلام بن طاهر
نشرت على صفحتي على الفيس بوك بتاريخ  3 سبتمبر 2015
____________________________________________

Copyright© 2015 by Ahmed Abdulsalam Ben Taher
حقوق النشر محفوظة © 2015 للمؤلف أحمد عبد السلام بن طاهر 

الأربعاء، 2 سبتمبر 2015

كل هذا لم يحدث صدفة ...

          "... لماذا يجب أن يخيم الصمت على الجرائم التي أرتكبت، كما لو كانت زلة انفعال عابرة ،… ولأجل من؟… لقد كان الذي حدث مرعبا، كونه حدث من هؤلاء الذين لايمكن أن نتوقع هذا منهم. ياالهي … لماذا تبدو كل هذه الذنوب الفادحة كما لو أن شيئا منها لم يحدث على الاطلاق؟ لقد سقط وهو يقول لهم شيئا ما، فاغرا فاه، فتبعثرت معه حفنة من الأحلام، ربما دون أن تند عنه صرخة أو يبكيها.
ترى ما الذي يعنيه هذا الذي جرى له قبل أن يغمض عينيه، وهو يتنفس بصخب، عندما انبثق السؤال الكبير من مقلتيه كفراشة حزينة، التفت حولهم قبل أن يتشضى النور الذي كان يقطر الحياة في عينيه، مفلتا تعجبا صارخا، ثم انطفأ؟ ترى هل تسأل أحد سوانا كيف مات، و لماذا، و فيما كان يفكر عندما دخل نفق الموت وتاه فيه؟ و هل ارتسمنا في خياله عندما أغمض عينيه دون وداع، و رحلت أطيافنا المولولة، معه الى تخوم أرض الموتى، هناك بعيدا حيث لاعودة؟ لقد كان هنا ثم لم يعد موجودا ، فماالذي يفيده ان وضعوا أسمه في سجل الموتي، بخط أسود، وأعطوه رقما وتاريخا، وسموه شهيدا؟ لقد كنت أود بقوة ان أضيف تساؤلا حزينا آخر، و دموعي تنهمر، لكن لم أجد في نفسي الشجاعة الكافية لذلك، يا الهي … كل هذا لم يحدث صدفة. يارب… لماذا ولدت هنا في هذا المكان الذي ينضح بالرياء والأكاذيب، … هنا البعض، يمكنهم يظهروا حقيقة ما هم قادرون عليه، وما في في قلوبهم من تصحر..."

عن مخطوط رواية "الوردة بدون لماذا" . تأليف أحمد عبد السلام بن طاهر
نشرت على صفحتي على الفيس بوك بتاريخ  3 سبتمبر 2015
____________________________________________

Copyright© 2015 by Ahmed Abdulsalam Ben Taher
حقوق النشر محفوظة © 2015 للمؤلف أحمد عبد السلام بن طاهر 

الجمعة، 21 أغسطس 2015

حدث في تلك الليلة ...

       " فتحت عينيها برعب، وهي تلهث من الخوف. انه قادم. انه قادم، انها تسمع أنفاسه اللاهثة من بعيد. ليس هذه المرة قالت في نفسها، وبقوة عجيبة انتزعت معصميها من الربطة القماشية التي أوثقها أهلها بها في السرير. كان قلبها يخفق بعنف، ولم يكن يدخل غرفتها الا بصيص من نور القمر. كانت تحس بوجوده، وتشم رائحته ... كانت تشعر به يتقدم نحوها.  قفزت مرتعبة من فوق جسد امها التي كانت تغط في النوم على الأرض قرب سريرها، وفتحت الباب وانطلقت صاعدة الجبل المنتهي انحداره قرب غرفتها. سمعت صراخا وجلبة، ثم سمعته يلهث خلفها، سمعت أقدامه العديدة تركض خلفها، وكان يناديها تارة بصوت امها وتارة أخرى بأصوات اخوتها. أحست بالدماء تنزف من قدميها ومن أطراف أصابعها و ركبتيها. شعرت به يقترب منها أكثر، لكنها كانت عازمة على أن لا تدعه يمسك بها هذه المرة. وصلت قمة الجبل وأسرعت الى حافته، لكنه كان خلفها، خلفها. (يا أختي توقفي! توقفي يا صالحة …)، صاح بها بصوت أخيها محاولا خداعها، لكنها كانت تعرف الاعيبه. كان هناك نور خافت ينبعث من "مقبرة الصحابة" هنالك عند طرف بصرها. أحست بيده بالكاد تلامسها، ثم شعرت بجسمها يصبح بلا وزن تقريبا . (لا لا لا ...، لا يا صالحة…)، سمعت صراخه، كان ينتحب بحرقة ، فعرفت أنها أفلتت من قبضته الى الأبد. ... حدث هذا ليلة اليوم الذي حدث فيه الرجل الغريب الطفل عن الوردة، أول مرة!"

عن مخطوط رواية "الوردة بدون لماذا" . تأليف أحمد عبد السلام بن طاهر
نشرت على صفحتي على الفيس بوك بتاريخ  22 أغسطس 2015
____________________________________________

Copyright© 2015 by Ahmed Abdulsalam Ben Taher
حقوق النشر محفوظة © 2015 للمؤلف أحمد عبد السلام بن طاهر 

زقاق الدرقاوية

        " ... عدت أدراجي ومررت بداخل الزقاق. وأشعرني النظر اليه مثلما هو الحال مع كل الأزقة التي تتمدد حول السوق ،بأني في مواجهة التاريخ. الماضي كان ممدودا أمامي و خلفي وفي كل مكان، و كان يعلن عن نفسه كراية فوق الاحجار التي نقشها الأندلسيون بأظافرهم و عرقهم خلال العقد الأول من انشائهم لهذه المدينة قبل أكثر من أربعة قرون، دون أن يدري أي منهم شيئا عن الماضي المظلم الذي تسبب في خراب هذه المدينة وتركها أطلالا لقرون من الزمان قبل أن تطا أقدامهم ثراها. (لابد أنه كان زمنا مرعبا) تذكرت تعليق الاستاذ "رامي" ، عندما كان يخبرني بعضا من تاريخ المدينة بينما كنا في السيارة ، (نعم لا بد أن شيئا عظيما قد حدث ولكن لا أحد يدري ماهو) ، قال وهو يتأمل البحر الذي ارتسم على زجاج السيارة. وفجاءة اصدمت بوجهي هبة ريح رقيقة فانتشلتني لبرهة من شريط ألذكريات، التي كان من الممكن أن لا أعيشها لولا قضية" صالحة". كانت رائحة الزقاق رطبة مشحونة طوال الوقت ببعض من عبق البخور، وكان خاليا من البشر عندما دخلت الى المكان الذي بدا كما لو أن الزمن الحديث قد أدار له ظهره. (لكن هل تسلل الرعب الى قلوبهم عندما جالوا للمرة الأولى بين الأطلال، التي مر بها أجدادهم الفاتحين منذ قرون وأي أوهام ورؤى مظلمة تعرت أمامهم ورائحة البحر لم تزل تتسرب من ثيابهم)، تذكرت هذه العبارة التي قالها الأستاذ "رامي" بلهجة مفخمة، وهو يتفحصني بنظرته الهيتشكوكية التي تعودت عليها عندما يتحدث عن الرعب. الزقاق كان مسدودا بباب مقوس أندلسي الطراز في نهايته من الجهة اليمنى، وكان الباب الوحيد في الزقاق الذي لم يكن مغلقا بالكامل، فاقتربت منه، ولكن عندما كنت وضع يسمح لي بالقاء نظرة الى الداخل، سمعت مواء حادا أتى من شجرة التين التي كانت أغصانها تطل من فوق الباب، وتتسلل بين فجوات الجدار الخرب من الأعلى، وسمعت صوت سيدة تقترب من الباب، فقفلت راجعا على عجل، بينما كان صوت الأستاذ "رامي" ينبعث من زوايا ذكرياتي ( أي قرطاس ملعون نقل اللعنة في حروفه الى هذه المدينة، وهل نبش الصوفيون الذين تواردوا اليها كالذباب كل الأحجار والشقوق بحثا عن القرطاس المسحور أم تلبستهم لعنة الكلمات) قال ذلك وهو يقهقه بصوت عالي عند دخولنا الي المدينة، ثم تابع بصوت من خطرت له فكرة غير متوقعة (حكومة العالم الخفية،...اللعنة، كيف لم يخطر ذلك ببالي ) ، فأوقفت السيارة فجاءة و أنا أنظر اليه متعجبا كما لو كنت أتفحص مخبولا. عندها قال (أستمر، أنا أمزح بالطبع).

         لم يكن بالزقاق الا مجموعة من البيوت الصغيرة من دور واحد ما عدا بيتان كانا من دورين أحداهما في داخل الزقاق والأخر قرب نهايته لجهة السوق،وكانت المسافات الفاصلة بين الأبواب فارغة الا من بعض النوافذ الصغيرة الموصدة هنا وهناك، وبدت دون أية زخارف أو تفاصيل بارزة. الا ما يخبر عن الطابع الأندلسي. أما الجدران فكانت باهتة ولم ترى طلاء جديدا منذ فترة طويلة. القيت نظرة عابرة بداخل الزقاق تجاه الأبواب المقفلة، و لحسن الحظ لم أتقابل مع أي من الساكنين. وفي النهاية وقفت في مدخل الزقاق ملقيا نظرة أخيرة عليه. وفجاءة سمعت صوت باب يفتح، فتحركت بحذر الى زاوية الزقاق الأقرب الي سوق الخضار، مما يسمح لي بأن لا أكون مرئيا بسهولة لمن يخرج ، وركزت بصري ناحية الصوت، كما لو أن شبحا سيبرز منه، وكنت أمل أن يكون "المريد" ولكن لم يخرج أحدـ وعندما هممت بدخول الزقاق للاقتراب بحذر من الجهة التي صدرت عنها الضجة، سمعت فجاءة صرير نافذة تفتح من الجهة العلوية للمبني الواقع في مدخل الزقاق من اليسار ،وأطل منها للتو وجه شابة نظرت باتجاه مدخل المبنى في الأسفل ثم الى مدخل الزقاق، ولم يكن بامكانها أن تراني بسهولة من زاويتها. كان راس الفتاة عاريا و وجهها جميلا و شاحبا يشوبه بعضا من الحزن، مثل وجوه اللاتي قضين أغلب شبابهن في عتمة الجدران الرطبة، التي تفقد النساء ذلك السحر بالحياة والحيوية. و الحقيقة أنني لم أنتبه لطول الوقت الذي تفرست في وجهها، بأحاسيس متناقضة فقد ذكرني شحوبها و مسحة الكدر الغامضة التي تلفها بـصالحة، و لدقائق شعرت بأني لم أكن قادرا أن أعطي ظهري لهذا الوجه، وعندما تحركت من مكاني قليلا التقت عينانا، وشعرت في نظرتها التي خيمت عليها هالة حزينة، نظرة حيوان بري قبض عليه بعد صراع طويل، حينها باغتني صوت مألوف من خلفي: ( انه زقاق الدرقاوية)، وعندما التفت متفاجئا، وجدت "شيخ الطريقة" بجسمه المنحني النحيف وعيناه اللتان تشعان بنور باهت يبتسم و هو يربت على كتفي بهدوء (أرى انك مهتم بمعالم مدينتنا. هذا هو زقاق الدرقاوية، وهو في اسمه ينتسب الى الطريقة الدرقاوية التي أسسها "سيدي العربي الدرقاوي الذي ولد في المغرب قبل أكثر من قرنين) ، ... "


عن مخطوط رواية "الوردة بدون لماذا" . تأليف أحمد عبد السلام بن طاهر
نشرت على صفحتي على الفيس بوك بتاريخ  21 أغسطس 2015
____________________________________________
Copyright© 2015 by Ahmed Abdulsalam Ben Taher
حقوق النشر محفوظة © 2015 للمؤلف أحمد عبد السلام بن طاهر